top of page

البابا حذر في كلمته امام أعضاء السلك الدبلوماسي من خطر تقليص الحريات وحقوق الانسان

  • 12 ore fa
  • Tempo di lettura: 11 min

وطنية - روما -

كما جرت العادة في مطلع كل سنة استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم  في  الفاتيكان، أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي لتبادل التهاني بحلول العام الجديد،كما جرت العادة في مطلع كل سنة، ووجه لضيوفه خطاباً مسهباً قام من خلاله بجولة أفق على مختلف القضايا الراهنة.والقى البابا لاون الرابع عشر كلمة، بحسب موقع الفاتيكان الرسمي، جاء فيها: "أصحاب السّعادة، السّادة أعضاء السّلك الدبلوماسيّ، سيّداتي، سادتي،إنّها مناسبةٌ تقليديّة في حياة السّلك الدبلوماسيّ المعتمد لدى الكرسيّ الرسوليّ. لكنّها أمر جديد، بالنسبة لي. فقد دُعيت منذ أشهر قليلة لكي أرعى قطيع المسيح. لذلك، يسرّني أن أستقبلكم هذا الصّباح، وأشكركم على حضوركم الكثير، الذي ازدان هذه السّنة بحضور رؤساء البعثات المقيمين الجدد من كازاخستان وبوروندي وبيلاروس. أشكر السّلطات الحكوميّة المعنيّة على قرارها افتتاح بعثات دبلوماسيّة لدى الكرسيّ الرسوليّ في روما، وهو دليل عمليّ على العلاقات الثنائيّة الطّيّبة والمُثمرة. من خلالكم جميعًا، السّفراء الأعزّاء، أودّ أن أُبلِّغ تحيّتي وأطيب تمنّياتي إلى بلدانكم، وأن أشارككم نظرةً عن زماننا هذا، الذي يُعاني من المزيد من التوتّرات والصّراعات.كانت السّنة التي انتهت منذ أيّام غنيّة بالأحداث، بدءًا بالأحداث التي طالت مباشرةً حياة الكنيسة، التي عاشت يوبيلًا مكثّفًا، وشهدت عودة سلفي الموقّر، البابا فرنسيس، إلى بيت الآب. احتشد العالم بأسره حول نعشه يوم الجنازة، وشعر بفقدانه إذ كان أبًا قاد شعب الله بمحبةٍ رعويّة عميقة. لقد أغلقنا قبل أيّام قليلة آخر بابٍ مقدّس، وهو باب بازيليكا القدّيس بطرس، الذي فتحه البابا فرنسيس نفسه ليلة عيد الميلاد سنة ٢٠٢٤. بسنة اليوبيل المقدّسة، توافد ملايين الحجّاج إلى روما ليقوموا بحجّ اليوبيل. جاء كلّ واحدٍ منهم حامِلًا خبرته الشّخصيّة، وتساؤلاته وأفراحه، وكذلك آلامه وجراحه، ليعبر الأبواب المقدّسة، رمزَ المسيح نفسه، طبيبنا السّماويّ، الذي أخذ على عاتقه إنسانيّتنا، بتجسّده، ليجعلنا شركاء في حياته الإلهيّة، كما تأمّلنا في سرّ الميلاد الذي احتفلنا به منذ أيّامٍ قليلة. أتمنّى أن يكون قد استطاع أشخاصٌ كثيرون في هذا العبور من أن يعمّقوا أو يكتشفوا من جديد علاقتهم بالرّبّ يسوع، ويجدوا تعزيةً ورجاءً متجدّدًا لمواجهة تحدّيات الحياة.في هذا اللقاء، أودّ أن أعبّر عن شكري الخاصّ لأهالي روما، الذين استقبلوا بصبرٍ كبير وروحٍ مضيافة، الحجّاج والسيّاح الكثيرين الذين وفدوا إلى المدينة من مختلف أنحاء العالم. وأودّ أن أوجّه تقديرًا خاصًّا إلى الحكومة الإيطاليّة، وإدارة بلديّة روما، وقوّات الأمن، الذين عملوا بغيرة ودقّة لكي تكون روما قادرة على استقبال جميع الزوّار، ولكي تُقام احتفالات اليوبيل والأحداث التي أعقبت وفاة البابا فرنسيس بطمأنينة وأمان. يشترك الكرسيّ الرسوليّ وإيطاليا ليس فقط في القرب الجغرافيّ، بل قبل كلّ شيء في تاريخٍ طويل من الإيمان والثّقافة، يربط الكنيسة بشبه الجزيرة الجميلة هذه وبشعبها. وتشهد على ذلك أيضًا العلاقات الثّنائيّة المميّزة، التي تعزّزت هذه السّنة بدخول التّعديلات على اتّفاقيّة الرّعاية الرّوحيّة للقوّات المسلّحة حيّز التّنفيذ، ما يتيح فعّاليّة أكبر في المرافقة الرّوحيّة للنّساء والرّجال الذين يؤدّون خدمتهم في القوّات المسلّحة الإيطاليّة وفي المهمّات الكثيرة خارج البلاد. وأيضًا التّوقيع على اتّفاقيّة إنشاء محطّة للطّاقة الشّمسيّة في أرض زراعيّة في منطقة سانتا ماريّا دي غاليريا، التي ستوفّر الطّاقة الكهربائيّة لمدينة الفاتيكان باستخدام مصادر متجدّدة، ممّا يؤكِّد الالتزام المشترك في حماية الخليقة. أتقدّم بالشّكر أيضًا لكبار المسؤولين في الدّولة على زياراتهم لِي في بداية حبريّتي، ولكرم الضّيافة الذي حظيتُ بها في القصر الرّئاسيّ (Quirinale) من فخامة رئيس الجمهوريّة، الذي أودّ أن أوجّه إليه تحيّتي القلبيّة مع شكري الجزيل.على مدار السّنة، واستجابةً للدّعوة التي كانت قد وُجّهت إلى البابا فرنسيس، سُررت بزيارة تركيّا ولبنان. أشكر السّلطات في كلا البلدين على حفاوة الاستقبال. استطعت في إزنيق في تركيّا، مع بطريرك القسطنطينيّة المسكونيّ وممثّلي الطّوائف المسيحيّة الأخرى أن أُحيي ذكرى ألف وسبع مائة سنة لمجمع نيقية، المجمع المسكونيّ الأوّل. كانت مناسبةً مهمّة لتجديد الالتزام في المسيرة نحو الوَحدة المنظورة الكاملة بين جميع المسيحيّين. التقيتُ في لبنان شعبًا مفعمًا بالإيمان والحيويّة، رغم الصّعوبات، ولمستُ الرّجاء المتدفّق من الشّباب، الذين يطمحون إلى بناء مجتمعٍ فيه مزيد من العدل والانسجام، يعزّز تلاقي الثّقافات والأديان فيجعل بلاد الأرزّ فريدةً في العالم.أيها السّفراء الأعزّاء، كتب القدّيس أوغسطينوس أحدَ أهمّ أعماله اللاهوتيّة والفلسفيّة والأدبيّة، مستلهمًا الأحداث المأساويّة لنهب روما سنة ٤١٠ للميلاد، وهو بعنوان: مدينة الله (De Civitate Dei). وكما لاحظ البابا بندكتس السّادس عشر، هذا المؤلَّف "عملٌ ضخمٌ وحاسم في تطوّر الفكر السّياسيّ الغربيّ وفي اللاهوت المسيحيّ للتاريخ"، مُستوحى من "رواية"، بحسب تعبيرنا المعاصر، كانت منتشرة آنذاك: "الوثنيّون، الذين كانوا لا يزالون كثُرًا في ذلك الوقت

وكذلك عدد غير قليل من المسيحيّين، يظنّون أنّ إله الدّيانة الجديدة، والرّسل أنفسهم، أظهروا أنّهم غير قادرين على حماية المدينة. وفي زمن الآلهة الوثنيّة كانت روما رأس العالم، والعاصمة الكبرى، ولم يكن أحد يتصوّر أنّها قد تسقط في أيدي الأعداء. أمّا الآن، مع إله المسيحيّين، فلم تعد هذه المدينة الكبيرة تبدو آمنة".لا شكّ أنّ زماننا يختلف كثيرًا عن هذه الأحداث. لا من حيث البعد الزّمنيّ فحسب، بل أيضًا من حيث الحساسيّة الثقافيّة المختلفة وتطوّر أنماط التّفكير. مع ذلك، لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنّ حساسيّة ثقافتنا نفسها قد استمدّت غذاءها من ذلك الكتاب، الذي يخاطب النّاس في كلّ زمن، مثل كلّ الأعمال الكلاسيكيّة. لقد قرأ أوغسطينوس الأحداث والواقع التّاريخيّ وفق نموذج المدينَتَين: مدينة الله، التي هي أبديّة، وتمتاز بمحبّة الله غير المشروطة (amor Dei)، بالإضافة إلى محبّة القريب، ولا سيّما الفقراء، - والمدينة الأرضيّة، التي هي مكان إقامةٍ مؤقّت يعيش فيه البشر إلى حين موتهم. في وقتنا الحاضر، تشمل هذه المدينة جميع المؤسّسات الاجتماعيّة والسّياسيّة، من العائلة إلى الدّولة القوميّة والمنظّمات الدوليّة. كانت هذه المدينة، بالنّسبة لأوغسطينوس، متجسّدة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة. تتمحور المدينة الأرضيّة على محبّة الذّات المتكبّرة (amor sui)، وعلى السّعي إلى السّلطة والمجد الدنيويَّين، اللذَين يقودان إلى الهلاك. مع ذلك، لا تهدف قراءة التّاريخ إلى إقامة تعارض بين الآخرة والحاضر، أو بين الكنيسة والدّولة، ولا إلى جدلٍ حول دور الدّين في المجتمع المدنيّ.في رؤية القدّيس أوغسطينوس، تتعايش المدينتان إلى نهاية الأزمنة، ولكلٍّ منهما بُعدٌ خارجيّ وبُعدٌ داخليّ، إذ لا تُقاسان فقط بالأفعال الخارجيّة التي تُبنيان بها في التاريخ، بل أيضًا بالموقف الداخليّ لكلّ إنسان تجاه وقائع الحياة والأحداث التاريخيّة. في هذا الإطار، يكون كلّ واحدٍ منّا شخصيّة رئيسيّة وبالتّالي مسؤولًا في التّاريخ. يُظهر أوغسطينوس بشكلٍ خاصّ أنّ الله يدعو المسيحيّين إلى أن يقيموا في المدينة الأرضيّة وقلوبهم وعقولهم متّجهة نحو المدينة السّماويّة، وطنهم الحقيقيّ. مع ذلك، فإنّ المسيحيّ، وهو يعيش في المدينة الأرضيّة، ليس غريبًا عن العالم السياسيّ، ويسعى إلى تطبيق الأخلاق المسيحيّة، المستوحاة من الكتاب المقدّس، في الحكم المدنيّ. مدينة الله لا تقدّم برنامجًا سياسيًّا، بل تُقدّم تأمّلات ثمينة في قضايا أساسيّة من الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة، مثل السّعي إلى العيش معًا عيشًا فيه مزيد من العدل والسّلام بين الشّعوب. حذّر أوغسطينوس أيضًا من الأخطار الجسيمة التي تهدّد الحياة السّياسيّة جرّاء التلاعب بالتّاريخ، والنّزعات القوميّة المفرطة، وتشويه مثال رجل الدّولة.على الرّغم من اختلاف السّياق الذي نعيشه اليوم عن سياق القرن الخامس، فإنّ بعض أوجه الشّبه لا تزال راهنة إلى حدّ بعيد. كما في ذلك الوقت، نحن الآن في عصر تحرّكاتٍ هجرة واسعة، وكما في ذلك الوقت، نحن الآن في زمن يشهد إعادة ترتيب عميقة للتوازنات الجيوسياسيّة والنّماذج الثّقافيّة، وكما في ذلك الوقت، نحن الآن، بحسب تعبير البابا فرنسيس الشّهير، لسنا في عصر التّغيير، بل في تغيّر العصر. في وقتنا، ما يُقلق بشكلٍ خاصّ على الصّعيد الدّوليّ، هو الضُّعفُ في التعدّديّة. فالدّبلوماسيّة التي تعزّز الحوار وتسعى إلى توافق الجميع، يُستعاض عنها شيئًا فشيئًا بدبلوماسيّة القوّة، سواء من قِبَل أفراد أو من قِبَل جماعات من الحُلفاء. رجعت الحرب كأنّها "موضة" العصر، والحماسة العسكريّة بدأت تتمدّد. انكسر المبدأ الذي أُقرّ بعد الحرب العالميّة الثّانية، الذي كان يَنهى الدّول من أن تستخدم القوّة لانتهاك حدود غيرها. لم نعد نطلب السّلام باعتباره عطيّة وخيرًا نطلبه لذاته "في السّعي إلى نظامٍ يريده الله، يستلزم عدلًا أسمى بين البشر"، بل نطلبه بقوّة السّلاح، باعتباره شرطًا لفرض الهيمنة والسّيادة. هذا الأمر يقوّض بشكل خطير سيادة القانون، التي تُعدّ الأساس لكلّ عيش مدنيٍّ معًا بسلام.علاوة على ذلك، كما لاحظ القدّيس أوغسطينوس، "لا أحد لا يرغب في السّلام. حتّى الذين يريدون الحرب، لا يريدون سوى الانتصار، وبالتّالي يريدون أن يحقّقوا سلامًا مُنتصرًا بالحرب. في الواقع، النّصر ليس سوى إخضاع للذين يقاومون، وعندما يتحقّق ذلك، يحلّ السّلام. [...] وكذلك الذين يريدون كسر السّلام الذي يعيشون فيه، لا يكرهون السّلام، بل يريدون أن يكون خاضعًا لسلطتهم الحرّة. إذًا، هم لا يريدون انعدام السّلام، بل يريدون السّلام الذي يريدونه هُم". هذا الموقف بالتّحديد هو الذي قاد إلى مأساة الحرب العالميّة الثّانية، التي نشأت من رمادها الأمم المتّحدة، والتي تمّ الاحتفال مؤخرًّا بذكرى ثمانين سنة على تأسيسها. تأسّست الأمم المتّحدة بإرادة واحد وخمسين بلدًا لتكون مركزًا للتعاون متعدّد الأطراف، بهدف منع الكوارث العالميّة في المستقبل، وحماية السّلام، والدّفاع عن حقوق الإنسان الأساسيّة، وتعزيز التّنمية المستدامة.أودّ أن أؤكِّد بصورة خاصّة على أهمّيّة القانون الدّوليّ الإنسانيّ، إذ لا يجوز أن يخضع احترامه للظّروف أو للمصالح العسكريّة والاستراتيجيّة. يضمن القانون الإنساني، وسط ويلات الحرب، حدًّا أدنى من الإنسانيّة، وهو علاوة على ذلك التزام تعهّدت الدّول باحترامه، ومن ثمَّ يجب أن يُقدَّم دائمًا على مقاصد المتحاربين، وذلك بهدف التّخفيف من الآثار المدمّرة للحرب، ولا بد من النّظر أيضًا إلى ما بعد، إلى إعادة الإعمار. وأمام تدمير المستشفيّات، والبِنَى التّحتيّة للطّاقة، والمساكن، والأماكن الضّروريّة للحياة اليوميّة، لا يمكن الصّمت، بل لا بد من التّأكيد أنّ كلّ ذلك هو انتهاك جسيم للقانون الدّوليّ الإنسانيّ. يؤكّد الكرسيّ الرّسوليّ بحزم إدانته لكلّ أشكال إصابة المدنيّين في العمليّات العسكريّة، ويعرب عن أمله في أن تتذكّر الأسرة الدّوليّة أنّ حماية مبدأ حرمة الكرامة الإنسانيّة وقدسيّة الحياة يجب أن تكون دائمًا أهمّ من أيّ مصلحة وطنيّة.وفي هذه الرّؤيّة، قامت الأمم المتّحدة بالوساطة في النّزاعات، وعملت على تعزيز التنمية، وساعدت الدّول في حماية حقوق الإنسان والحرّيّات الأساسيّة. وفي عالمٍ تعصف به تحدّيات معقّدة مثل التوترات الجيوسياسيّة، وعدم المساواة، والأزمات المناخيّة، ينبغي لمنظمة الأمم المتّحدة أن تؤدّي دورًا محوريًا في تعزيز الحوار وتقديم الدّعم الإنساني، مساهمةً في بناء مستقبل فيه مزيد من العدل. ومن ثمّ تظهر الحاجة إلى بذل جهود خاصّة حتّى لا تعكس الأمم المتّحدة واقع عالم اليوم ولا عالم ما بعد الحرب فحسب، بل تكون أيضًا موجّهة وفعّالة لتجاوز الأيديولوجيّات، ولتحقيق سياسات تهدف إلى وَحدة العائلة البشريّة بين الشّعوب.الغاية من التعدديّة، إذن، هي توفير مساحة يلتقي فيها النّاس ويتحاورون، على مثال المنتدى الرّوماني القديم أو ساحة المدينة في العصور الوسطى. غير أنّ التّحاور يقتضي التّفاهم على الكلمات والمفاهيم التي تعبّر عنها. ولعلَّ إعادة اكتشاف معاني الكلمات هو أحد أوّل التحدّيات في عصرنا. فعندما تفقد الكلمات ارتباطها بالواقع، ويغدو الواقع نفسه رأيًا قابلًا للجدل وفي نهاية المطاف غير قابل للتواصل، نصبح مثل الاثنين اللذين يذكرهما القدّيس أوغسطينوس، اللذين يُضطرّان إلى البقاء معًا من دون أن يعرف أحدهما لغة الآخر. ويلاحظ أنّ "الحيوانات البكماء، وإن اختلفت أنواعها، تتفاهم فيما بينها بسهولة أكبر منهما، على الرّغم من أنّ كليهما إنسان. فبسبب اختلاف اللغة وحده، لا يستطيعان أن يُظهرا أفكارهما أحدهما للآخر، ولا تنفع القرابة في الطّبيعة شيئًا لإقامة علاقة، إلى حدّ أنّ الإنسان يفضّل أن يكون مع كلبه على أن يكون مع إنسان غريب".في أيامنا هذه، أصبح معنى الكلمات أكثر إبهامًا، وأصبحت المفاهيم التي تمثّلها أكثر التباسًا. ولم تعد اللغة الوسيلة المميّزة للطّبيعة الإنسانيّة من أجل المعرفة واللقاء، بل صارت، في ثنايا الغموض الدّلالي، تتحوّل على نحو متزايد إلى سلاح يُستعمل للخداع أو لضرب الخصوم والإساءة إليهم. نحن بحاجة إلى أن تعود الكلمات لتعبّر بوضوح لا لبس فيه عن حقائق ثابتة. عندئذ فقط يمكن استئناف حوار أصيل وخالٍ من معانٍ خفية. ويجب أن يتحقّق ذلك في بيوتنا وساحاتنا، وفي السّياسة، وفي وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي إطار العلاقات الدّوليّة والتعدديّة، لكي تستعيد هذه التعددية القوّة اللازمة لأداء مهمّتها كمساحة للّقاء والوساطة، وهي ضروريّة لمنع النّزاعات، وحتّى لا يميل أحد إلى الاعتداء على الآخر بمنطق القوّة، سواء كانت لفظيّة أم جسديّة أم عسكريّة.يجدر التّنبيه أيضًا إلى هذه المفارقة أنّ الكلمة فقدت معناها وذلك باسم الدّفاع عن حرّيّة التّعبير نفسها. مع أنّ الحقيقة، عند التأمّل الدّقيق، هي عكس ذلك تمامًا: فحرّيّة الكلام والتّعبير إنّما تُصان وتُضمَن بفضل وضوح اللغة ودلالتها الأكيدة، وتكون كلّ كلمة مرتبطة بالحقيقة.لكن بدل ذلك، وممّا يؤسف له، أنّه يُلاحَظ، ولا سيّما في الغرب، تضاؤل متزايد في المساحات المتاحة لحرّيّة التّعبير الأصيلة، ويتطوّر عكس ذلك خطابٌ جديد بحسب اسلوب أورويل (Orwell)، الذي يدعي مزيدًا من الشّموليّة، وهو يعمل على إقصاء كلّ من لا يتكيّف مع الإيديولوجيات التي تحرّكه.

ومن هذا الانحراف تنبثق، للأسف، انحرافات أخرى تؤدّي إلى تقييد حقوق الإنسان الأساسيّة، وفي مقدّمها حرّية الضّمير. الاعتراض باسم الضّمير يسمح للفرد أن يرفض التزامات ذات طابع قانوني أو مهني تتعارض مع مبادئ أخلاقيّة أو دينيّة أو مع قِيَمٍ متجذّرة في عمق ضميره الشّخصيّ، سواء كان ذلك رفض الخدمة العسكريّة باسم اللاعنف، أم رفض ممارسات مثل الإجهاض أو القتل الرّحيم من قبل الأطباء والعاملين في القطاع الصّحّيّ. الاعتراض باسم الضّمير ليس تمرّدًا، بل هو فعل أمانة ووفاء للذات. وفي هذه المرحلة التّاريخيّة الخاصّة، تبدو حرّيّة الضّمير موضع تشكيك متزايد من قبل الدّول، بما فيها تلك التي تعلن أنّها قائمة على الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان. إلّا أنّ الحرّيّة تُقيم توازنًا بين المصلحة العامّة وكرامة الفرد، مؤكّدة أنّ المجتمع الحرّ حقًا لا يفرض "التسوية" بين الأفراد، بل يحمي تنوّع الضّمائر، فيحول دون الانزلاقات السّلطويّة ويعزّز حوارًا أخلاقيًّا يُغني النّسيج الاجتماعيّ. كذلك الحرّيّةُ الدّينيّة تواجه خطرَ الاضطهاد، وهي، كما ذكّر البابا بندكتس السّادس عشر، أوّل حقوق الإنسان، لأنّها تُعبّر عن أعمق ما في الإنسان. تشير أحدث البيانات إلى أن انتهاكات الحرّيّة الدّينيّة في ازدياد، وأنّ ٦٤٪ من سكان العالم يتعرّضون لانتهاكات جسيمة في حرّيّتهم الدّينيّة.وإذا طالب الكرسيّ الرّسوليّ بالاحترام الكامل للحرّيّة الدّينيّة وحرّيّة العبادة للمسيحيّين، فإنّه يطالب بذلك أيضًا لجميع الجماعات الدّينيّة الأخرى. وبمناسبة الذّكرى السّتين لإصدار الوثيقة (Nostra aetate)، أحد ثمار المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني الذي اختُتم في ٨ كانون الأوّل ديسمبر ١٩٦٥، أُتيحت لي الفرصة للتأكيد مجدّدًا على الرّفض القاطع لكلّ أشكال معاداة السّامية، التي ما زالت، مع الأسف، تنشر بذار الكراهية والموت، وعلى أهمّيّة تنمية الحوار اليهوديّ-المسيحيّ عبر تعميق الجذور المشتركة في الكتاب المقدس.في مناسبة الذّكرى نفسها، أتاح لي اللقاء مع ممّثلي الدّيانات الأخرى أن أجدّد تقديري وتأييدي للمسيرة التي أنجِزَت في العقود الأخيرة في الحوار بين الأديان، لأنّ في كلّ بحث ديني صادق "انعكاسًا للسرّ الإلهي الواحد الذي يعانق كلّ الخليقة". وعلى هذا الأساس، أناشد جماعة الدّول أن تضمن حرّيّة الدّين والعبادة الكاملة لجميع مواطنيها.ولا يمكننا أن نغضَّ الطّرف عن الواقع وهو أنّ اضطهاد المسيحيّين ما زال إحدى أكثر أزمات حقوق الإنسان انتشارًا في يومنا هذا، إذ يطال أكثر من ٣٨٠ مليون مؤمن في مختلف أنحاء العالم، يتعرّضون، في مستويات مرتفعة أو قصوى، للتمييز والعنف والقمع بسبب إيمانهم. وتمسّ هذه الظّاهرة نحو مسيحيّ واحد من كلّ سبعة على الصّعيد العالمي، وقد تفاقمت في عام ٢٠٢٥ بفعل النّزاعات الجارية، والأنظمة الاستبداديّة، والتطرّف الدّيني. وتُظهر هذه المعطيات جميعها، للأسف، أنّ الحرّيّة الدّينيّة تُعامَل في كثير من السّياقات على أنّها "امتياز" أو تنازُلٌ يُمنَح، أكثر منه حقًا إنسانيًّا أساسيًّا.في هذا المقام، أودّ أن أوجّه فكرة خاصّة إلى ضحايا العنف العديدة التي اتّسمت أيضًا بدوافع دينيّة في بنغلادش وفي منطقة السّاحل ونيجيريا، وكذلك ضحايا الاعتداء الإرهابي الخطير الذي وقع في حزيران/يونيو الماضي على رعيّة القدّيس إيليا في دمشق، ولا ننسى ضحايا العنف الجهادي في كابو دلغادو في الموزامبيق.ويجب ألا نغضَّ الطّرف عن التّمييز الذي يمارس ضدّ المسيحيّين بشكلٍ خفيّ، وهو آخذٍ في الانتشار حتّى في بلدان يشكّلون فيها أكثريّة عددية، مثلًا في أوروبا والأميركيَتَين، حيث تُقيَّد أحيانًا إمكانيتهم في إعلان الحقائق الإنجيليّة لأسباب سياسيّة أو أيديولوجيّة، ولا سيّما عندما يدافعون عن كرامة الضّعفاء، وعن غير المولودين بعد، أو عن اللاجئين والمهاجرين، أو عندما يدافعون عن كيان الأسرة.في إطار العلاقات والأعمال على الصّعيد الدّولي، يتّخذ الكرسيّ الرّسوليّ دائمًا موقفًا ثابتًا يدافع فيه عن كرامة الإنسان غير قابلة التصرّف. ولذلك لا يمكن إغفال، على سبيل المثال، أنّ كل مهاجر هو إنسان، وبهذه الصّفة، فإنّه يمتلك حقوقًا غير قابلة للتصرّف ويجب احترامها في كلّ ظرف. ثم إنّ جميع المهاجرين لا ينتقلون بمحض اختيارهم، بل يُجبَرُ الكثيرون على الفرار بسبب العنف والاضطهاد والنّزاعات، وأيضًا بفعل آثار التغيّرات المناخيّة، كما يحدث في أجزاء مختلفة من إفريقيا وآسيا.وفي هذه السّنة، التي يُحتفل فيها أيضًا بالذّكرى الخامسة والسّبعين لتأسيس المنظمّة الدّوليّة للهجرة، أجدّد تمنّي الكرسيّ الرّسوليّ ألّا تتحوّل الإجراءات التي تتّخذها الدّول لمكافحة اللاشرعيّة والاتّجار بالبشر إلى ذريعة للمساس بكرامة المهاجرين واللاجئين.وتنطبق الاعتبارات نفسها على السّجناء، الذين لا يجوز تقييدهم إلى الأبد بالجرائم التي ارتكبوها. وفي هذه المناسبة، أودّ أن أعبّر عن الشّكر الجزيل للحكومات التي استجابت لنداء سَلَفي الموقَّر الذي دعا إلى اتّخاذ مبادرات رأفة في أثناء سنة اليوبيل، وقد عبَّر عن أمله في أن يُلهم روحُ اليوبيل إدارةَ العدالة بصورة دائمة وفي مؤسّسات، حتّى تكون العقوبات متناسبة مع الجرائم المرتكبة، وتُضمَن ظروفٌ كريمة للمساجين، ولا سيّما أن يُبذل الجهد من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، التي تقضي على كلّ رجاء في الغفران والتّجدّد. ولا يمكننا أيضًا أن ننسى معاناة السّجناء السّياسيّين الكثيرين، الموجودين في دول كثيرة. بالإضافة إلى ذلك، في المنظور المسيحيّ، خُلِقَ الإنسان على صورة الله ومثاله، وكما "دعاه إلى الوجود بدافع المحبّة، دعاه في الوقت نفسه إلى المحبّة". وتتجلّى هذه الدّعوة بشكلٍ مميّز وفريد داخل الأسرة. فيها يتعلّم الإنسان أن يحبّ، وتنمو فيه القدرة على خدمة الحياة، مساهِمًا بذلك في تنمية المجتمع وفي رسالة الكنيسة.وعلى الرّغم من مكانة الأسرة المركزيّة، توجد المؤسّسة العائليّة اليوم أمام تحدّيَين أساسيَّين. فمن جهة، يُلاحَظ في النّظام الدولي نزعة مقلقة نحو إهمال دورها الاجتماعيّ الجوهريّ والتقليل من شأنها، ما يؤدي إلى تهميشها كمؤسّسة بصورة تدريجيّة. ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن إغفال الواقع المتنامي والمؤلم لعائلات هشّة، متفكّكة ومتألّمة، تعاني من صعوبات داخليّة ومن ظواهر مقلقة، بما فيها العنف الأسري. الدّعوة إلى المحبّة والحياة، التي تتجلّى بصورة سامية في الاتّحاد الحصري وغير القابل للانحلال بين المرأة والرّجل، تفرض واجبًا أخلاقيًّا أساسيًّا، وهو تهيئة الظّروف التي تمكّن العائلات من استقبال الحياة النّاشئة والعناية بها عنايةً كاملة. هذه أولويّة قصوى، ولا سيّما في البلدان التي تشهد انخفاضًا دراماتيكيًا في نسبة المواليد. فالحياة، في حقيقتها، عطيّة لا تُقدَّر بثمن، تنمو ضمن مشروعٍ هي علاقة تقوم على التّبادل والخدمة.

في ضوء هذه الرّؤيّة العميقة للحياة، أنّها عطيّة يجب رعايتها، وللأسرة التي هي الحارسة المسؤولة عنها، يأتي الرّفض القاطع للممارسات التي تنكر أصل الحياة ونمُوَّها أو تسخِّرها لمآرب أخرى. ومن بين هذه الممارسات الإجهاض، الذي يضع حدًا لحياةٍ ناشئة وينكر استقبال عطيّة الحياة. وفي هذا السّياق، يعبّر الكرسيّ الرّسوليّ عن قلقٍ بالغ إزاء تمويل المشاريع عبر الحدود بهدف الوصول إلى ما يُسمّى "الحق في الإجهاض الآمن"، ويرى أنّه من المؤسف أن تُخصَّص الموارد العامّة لإزهاق الحياة بدلًا من استثمارها في دعم الأمّهات والعائلات. يجب أن يبقى الهدف الأوّل هو حماية كلّ مولودٍ لم يولد بعد، وتقديم دعمٍ فعلي وملموس لكلّ امرأة كي تتمكّن من استقبال الحياة. ومثل ذلك، الأمومة البديلة، التي تُحوِّل الحَمَل إلى خدمة-تجارة، فتُنتهَك كرامة الإنسان، سواء في الطّفل الذي يصير "مُنتَجًا"، أم كرامة الأم التي يُستَغَلُّ جسدها وتبدَّل كلّ عمليّة الإنجاب فيها، ويُشوَّه بذلك مشروع العلاقات الأصليّ في الأسرة.

وينطبق ذلك أيضًا على المرضى وكبار السّنّ والأشخاص الوحيدين، الذين يجدون أحيانًا صعوبة في رؤيّة سببٍ يدفعهم إلى الاستمرار في الحياة. وتقع على عاتق المجتمع المدنيّ والدّول أيضًا مسؤوليّة الاستجابة العمليّة لحالات الضّعف، بتقديم حلول لمعاناة الإنسان، مثل العلاجات المليِّنة للأوجاع، وتعزيز سياسات تضامن حقيقيّ، بدل تشجيع أشكال من الشّفقة الوهمية مثل موت الرّحيم. وينطبق ذلك أيضًا على الشّباب الكثيرين الذين يُجبرون على مواجهة صعوبات جمّة، من بينها الإدمان على المخدّرات. ولا بدّ من جهدٍ مشترك من الجميع للقضاء على هذه الآفة التي تصيب الإنسانيّة، وعلى تجارة المخدّرات التي تغذّيها، لتجنّب سقوط ملايين الشّباب حول العالم ضحيّة تعاطي المخدّرات".

Commenti


bottom of page