top of page

القديس أوغسطين والذاكرة التي تُبقينا معًا

  • 3 ore fa
  • Tempo di lettura: 2 min

بقلم سيلفانا بروزومولينو*

ثمة ذكريات لا تعود ملكًا حصريًا لمن عاشها. تعبر الزمن، وتتبدّل أشكالها، لكنها تواصل، بطرق مختلفة، مخاطبتنا. والقديس أوغسطين Sant Agostino واحدة من هذه الذكريات الحيّة. ليس اسمًا بعيدًا، ولا تمثالًا جامدًا، بل صوتًا لا يزال حتى اليوم يبدو وكأنه يعرف قلقنا وأسئلتنا.وُلد أوغسطين على الضفاف الإفريقية للبحر الأبيض المتوسط، في أرض دافئة كانت ملتقى للشعوب واللغات والثقافات والأديان. أرض عبور، لقاءات، وأسئلة. ولعل من هناك وُلدت طريقته في النظر إلى الإنسان: منفتحة دائمًا، غير منغلقة، ولا بسيطة، بل في مسار دائم. لم تكن حياته خطًّا مستقيمًا، بل كانت مليئة بالأخطاء والسقوط والبحث الصادق. وهذا بالذات ما يجعلها قريبة منا.حين يتحدث أوغسطين عن الذاكرة، فإنه يتحدث عمّا نحمله في داخلنا من دون أن نستطيع تفسيره. ذكريات تعود فجأة، آلام تتشابك وتطرح الأسئلة، في حوار داخلي لا بوصفه تمرينًا فكريًا، بل مواجهة مع الظلّ الداخلي، وتوقًا دائمًا نحو النور. ذكريات تبقى: وجوه، اختيارات، جراح. الذاكرة، لديه، ليست مكانًا منظمًا، بل فضاء حيّ، هشّ أحيانًا، مؤلم أحيانًا أخرى، لكنه ضروري. فيها نتعلّم أن نتعرّف إلى أنفسنا.

في كتاب الاعترافات، لا يكتب أوغسطين ليعلّم، بل ليحكي عن ذاته. يكشف نفسه بصدق مدهش، لا يخشى أن يظهر قلقه ونقصه وحيرته. ونحن، حين نقرأ كلماته، نكتشف أن هذا القلق ليس قلقه وحده، بل قلقنا نحن أيضًا. هو قلق كل إنسان تساءل، ولو مرة واحدة، عن معنى طريقه في الحياة.الذاكرة، عند أوغسطين، فعلُ محبة أيضًا. فأن نتذكّر يعني أن نقبل تعقيد قصتنا الشخصية. عندها فقط يتوقّف الماضي عن أن يكون عبئًا، ويغدو جزءًا من مسار النمو. الذاكرة التي تُحتضن لا تُفرّق، بل توحّد.في بحرٍ متوسّطٍ يشهد اليوم مآسي وسوء فهم وصمتًا ثقيلًا، يذكّرنا فكر القديس أوغسطين بحقيقة بسيطة وقوية: القصص تلتقي قبل الأيديولوجيات، والإنسان يسبق التصنيفات. والذاكرة المشتركة يمكن أن تصبح مساحة للاعتراف المتبادل.بالنسبة لمن يؤمن، مثلنا، بأن السفر هو لقاء صادق، فإن أوغسطين ليس مجرد مفكّر من الماضي، بل رفيق درب. يعلّمنا أننا لا نعبر الأمكنة من دون الإصغاء إليها، ولا نعرف الشعوب من دون احترامها، ولا نبني حوارًا من دون ذاكرة.إن استذكار القديس أوغسطين اليوم هو فعل صامت، لكنه عميق. هو اعتراف بأننا، على اختلافاتنا، نتقاسم الهشاشة نفسها، والرغبة ذاتها في المعنى، والأمل نفسه في أن نُفهَم.وربما في الذاكرة تحديدًا — تلك التي لا تُدين، ولا تمحو، ولا تُقصي — يمكننا أن نلتقي من جديد.

• متخصصة في الاثار والسياحة - الصداقة

Commenti


bottom of page