بيتينو كراكسي بعد 26 عامًا: رجل دولة بين الذاكرة والانقسام
- 6 giorni fa
- Tempo di lettura: 3 min

✍🏻 : طلّال خريس، باسكواله أماتو
اليوم، في ذكرى رحيل بيتينو كراكسي (الذي توفي في 19 كانون الثاني/يناير 2000)، وخلال مراسم قصيرة أُقيمت في المقبرة المسيحية بمدينة الحمّامات، قال بوبو كراكسي:
«كان يتمتع ببصيرة بعيدة المدى، في السياسة الخارجية وفي الفضاء المتوسطي. لقد مثّل شخصية رجل دولة منسجم مع الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية والدولية، ومتّسقًا في عمله دفاعًا عن قيمنا الوطنية».وقد حضر المراسم ممثلون عن مجتمع «أفانتي PSI»، و«الاشتراكية المتوسطية»، وجمعيات أخرى من التيار الاشتراكي. وتابع بوبو كراكسي:
«كان وطنيًا، ومع ذلك اعتُبر لسنوات هاربًا من العدالة. ولمن لم يعترف بعد بقامته السياسية وبالظلم الذي تعرّض له، ولا يزال يرفض الاعتراف بذلك حتى اليوم رغم مرور السنين، يجدر التذكير بكلمات أغنية جميلة تقول في الحقيقة إنّ “الهاربين هم هم”، أولئك الذين ما زالوا لا يريدون رؤيته».وفي الختام، شكر ممثل «أفانتي PSI» الحاضرين وقال:«بيتينو كراكسي حيّ وسيبقى حيًا في ذاكرتنا».
من جهتها، قالت ستيفانيا كراكسي، عضوة مجلس الشيوخ عن حزب «فورتسا إيطاليا» ورئيسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ:
«بعد ستة وعشرين عامًا على رحيله، لا يزال بيتينو كراكسي يخاطب زمننا. ففي عالم تعصف به توترات قديمة وجديدة، وتتحول فيه المنطق والتوازنات بسرعة، تبقى فكرته عن إيطاليا وأوروبا فاعلتين على الساحة العالمية فكرة راهنة. لكن الأهم أنّ قربه والتزامه بقضايا الشعوب المقهورة، وبمن يناضلون من أجل الحرية ومن أجل أبسط الحقوق، أي الحق في الحياة، ما زالا حاضرين».
وقال لورينزو فونتانا، رئيس مجلس النواب:
«بعد ستة وعشرين عامًا على وفاة بيتينو كراكسي، نجدد ذكرى أحد أبرز شخصيات عصره، الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ السياسة الإيطالية. وفي هذه الذكرى، أتوجّه بفكري إلى ابنيه ستيفانيا وفيتوريو، وإلى جميع أفراد العائلة وكل من شاركه التجربة الإنسانية والسياسية، معربًا لهم عن قربنا في الذكرى».وُلد بيتينو كراكسي في ميلانو عام 1934. نشأ في بيئة مناهضة للفاشية، وكان شاهدًا على ولادة وسقوط الجمهورية الأولى. دخل البرلمان لأول مرة عام 1968، في المرحلة الأخيرة من حزب الاشتراكي الإيطالي بقيادة بيترو نيني، وكان يُنظر إليه دائمًا بوصفه حاملًا للروح السياسية لنيني داخل الحزب.انتُخب كراكسي أمينًا عامًا جديدًا للحزب الاشتراكي الإيطالي عام 1976، مكلفًا بإخراج الحزب من أزمته. تولّى قيادة الحزب وسط إشادات وانتقادات متباينة، داعمًا سياسة تسوية هدفت إلى منح الحزب دور الممثل الأهم لليسار في إيطاليا، في قطيعة تامة مع الحركية الراديكالية لسنوات «الرصاص»، وفي منافسة مباشرة مع الحزب الشيوعي.ونجح في جمع عدد كافٍ من الأصوات لإيصال المناضل السابق في صفوف المقاومة ساندرو بيرتيني إلى قصر كويريناله، ليصبح أول رئيس جمهورية اشتراكي.ومع انتخابات عام 1983، أصبح أول رئيس وزراء ذي خلفية اشتراكية. وكانت تلك مرحلة «البنتابارتّيتو» (التحالف الحكومي بين الديمقراطية المسيحية، والحزب الاشتراكي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الجمهوري، والحزب الليبرالي). ركزت حكومته على مكافحة التضخم والتهرب الضريبي، وقادت حكومة مستقرة أصبحت الأطول عمرًا في تاريخ الجمهورية الأولى.ولا يزال حزب «فورتسا إيطاليا» حتى اليوم يستذكر كراكسي بإعجاب كبير، لا سيما لقربه من مواقف تاريخية لتيار الوسط–اليمين، مثل مشروع جسر مضيق ميسّينا. كما أن «الحزب الاشتراكي الجديد» (Nuovo PSI)، الذي تأسس عام 2001 بعد انفصاله عن الحزب الاشتراكي، يرتبط بقوة بإرث كراكسي، وشارك مرارًا في تحالفات يمين الوسط.
وقال باولو باريلي، رئيس كتلة نواب «فورتسا إيطاليا»:
«كان بيتينو كراكسي أحد أكثر رجال الدولة تأثيرًا في جمهوريتنا، وقادرًا على إحداث منعطف سياسي في البلاد خلال سنوات معقدة. […] إن إسهامه في السياسة الخارجية وفي تحديث إيطاليا يستحق اليوم قراءة خالية من الأحكام المسبقة وأكثر انتباهًا إلى إرثه الحقيقي. وبعد 26 عامًا على رحيله، يتجه فكرنا إلى عائلته، ولا سيما الزميلة ستيفانيا».وكتب ماوريتسيو غاسبارّي، رئيس كتلة شيوخ «فورتسا إيطاليا»، على وسائل التواصل الاجتماعي:«بعد 26 عامًا على وفاة بيتينو كراكسي، نستذكر شخصية محورية في تاريخ الجمهورية الإيطالية. زعيم الحزب الاشتراكي، وبطل إصلاحات وخيارات حاسمة، ولا يزال إرثه يدعو إلى التأمل حتى اليوم».في 17 شباط/فبراير 1992، عندما حصل المدعي العام أنطونيو دي بيترو على أمر اعتقال للمهندس ماريو كييزا، رئيس مؤسسة «بيو ألبيرغو تريفولتسيو» وأحد قيادات الحزب الاشتراكي في ميلانو، تعرّضت حياة كراكسي السياسية والشخصية لأول زلزال كبير. فقد قدّم كييزا معلومات كشفت نظام الرشاوى بين السياسة والشركات، ما أدى إلى انطلاق تحقيقات «ماني بوليته».وفي انتخابات عام 1992، أظهر التراجع الحاد للأحزاب التقليدية أن العالم القديم للسياسة الإيطالية قد أُزيح لصالح قوى جديدة مثل «رابطة الشمال» و«لا ريتي». وبسبب قربه من متهمين في قضايا «تانغنتوبولي»، لم يُكلَّف كراكسي بتشكيل الحكومة من قبل الرئيس أوسكار لويجي سكالفارو، وعُيّن بدلًا منه جوليانو أماتو.وخلال بضعة أشهر، تلقّى الزعيم الاشتراكي أكثر من عشرة إخطارات قضائية، وفي عام 1993 استقال من منصب الأمين العام للحزب. وهكذا أُسدل الستار على حقبة كاملة، وانهار الحزب، لتصل المرحلة الأولى الكبرى من تاريخ الجمهورية الإيطالية إلى نهايتها.وعندما صدرت من روما وميلانو طلبات باعتقاله على خلفية اتهامات بالإثراء الشخصي والتمويل غير المشروع للحزب عبر الرشاوى، كان بيتينو كراكسي قد توجّه بالفعل إلى الحمّامات في تونس، حيث واصل الطعن في الإجراءات القضائية الإيطالية بحقه، معتبرًا إياها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إسقاط الجمهورية الأولى.ولا يزال الرأي العام، حتى اليوم، منقسمًا بين من يعتبر إقامته التونسية—التي انتهت بوفاته في 19 كانون الثاني/يناير 2000—منفىً سياسيًا، وبين من، متفقًا مع القضاء، يرى فيها المكان الذي لجأ إليه كراكسي هاربًا من العدالة.







Commenti