أوروبا وأفريقيا: من ضفاف التاريخ إلى جسور الاقتصاد.
- 8 ago 2025
- Tempo di lettura: 3 min

بقلم: الدكتور ياسر عليا
حين تلتقي ضفاف المتوسط بقلب أفريقيا، لا تكون العلاقة مجرد جغرافيا مشتركة أو إرث استعماري قديم، بل تتحول إلى سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الماضي المثقل إلى مستقبل مشترك؟ وكيف تبني أوروبا وأفريقيا جسورًا من التعاون الاقتصادي تتجاوز الهبات والمساعدات نحو الشراكة الحقيقية والتنمية المتبادلة؟
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا في الرؤية الأوروبية تجاه القارة الأفريقية. لم تعد النظرة قائمة على منطق العطاء مقابل الولاء، بل على أسس جديدة ترتكز على الاستثمار طويل الأمد، بناء البنية التحتية، دعم ريادة الأعمال، والانتقال الأخضر، وهو ما يتجلى بوضوح في استراتيجية "Global Gateway" التي خصصت أكثر من 150 مليار يورو لأفريقيا حتى عام 2027.
لكن السؤال الأكبر ليس في الأرقام، بل في النية السياسية والقدرة المؤسسية والإرادة السيادية لدى الطرفين لترجمة هذه المبادرات إلى نتائج ملموسة على الأرض.
🔹 من المانح إلى الشريك
ما يميز المرحلة الراهنة هو هذا التحول النوعي في الخطاب والسياسات الأوروبية: من كونها مانحًا إلى كونها شريكًا اقتصاديًا واستراتيجيًا. لقد باتت مشاريع الطاقة النظيفة العابرة للحدود، كمشروع الكابل البحري بين مصر واليونان، ومشاريع ربط الكهرباء في زامبيا وتنزانيا وكينيا، دليلًا على الرغبة في خلق تكامل طاقي إقليمي يتجاوز السوق المحلي إلى السوق القاري والعالمي
كما أن دعم برامج مثل "استثمار في الشباب الأفريقي" يعكس تحولًا حقيقيًا في المفاهيم: من بناء المدارس إلى بناء القدرات وتمويل الابتكار المحلي، من تقديم الغذاء إلى دعم ريادة الأعمال الزراعية، من إلقاء المحاضرات إلى عقد الشراكات.
🔹 ماذا تريد أفريقيا؟
لكن لا يمكن إغفال التحديات الهيكلية في أفريقيا: ضعف شبكات النقل، الهشاشة الأمنية، تفاوت القوانين التجارية، وأحيانًا غياب الشفافية. من هنا، لا يكفي أن تمد أوروبا يدها، بل على أفريقيا أن تمتلك أجندتها السيادية الخاصة، وأن تفرض شروطها بوصفها طرفًا فاعلًا وليس متلقيًا.
إن المطلوب من القيادات الأفريقية أن تعزز التكامل القاري، وأن تبني مؤسسات قادرة على التفاوض والمساءلة، وتفرض شراكات عادلة تضمن نقل التكنولوجيا، حماية الموارد، وتشغيل العقول المحلية، بدل الاكتفاء بمشاريع ظاهرها تنموي وباطنها استنزاف ناعم.

🔹 المصالح المتبادلة لا الاستغلال الجديد
لا يمكن إنكار أن أوروبا، رغم كل نواياها الجديدة، مدفوعة بحسابات دقيقة: ضبط الهجرة، مواجهة النفوذ الصيني، تأمين الطاقة، والبحث عن أسواق جديدة. لكن هذا لا يُفقد الشراكة معناها إن وُضعت ضمن إطار مصالح متبادلة تقوم على الشفافية والاحترام المتبادل.
فأفريقيا اليوم ليست قارة هامشية، بل قارة الفرص المستقبلية، بمواردها الطبيعية والبشرية، بثروتها الشبابية، وبطموحاتها الصاعدة في العالم المتعدد الأقطاب. ولهذا فإن أوروبا، إن أرادت أن تكون جزءًا من مستقبل أفريقيا، فعليها أن تدعم استقلالها الاقتصادي لا أن تقيّده، وأن تفتح أسواقها للمنتجات الأفريقية كما تفتحها لاستثماراتها.
🔹 نحو قمة مختلفة
القمة المرتقبة بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي في نوفمبر المقبل بأنغولا يجب ألا تكون تكرارًا لبروتوكولات باهتة. بل يجب أن تطرح أسئلة حقيقية:
ما هي ضمانات تحويل الاستثمارات إلى نتائج حقيقية؟
كيف تساهم أوروبا في تمويل الانتقال الرقمي والطاقي في أفريقيا دون إثقال كاهلها بالديون؟
هل هناك التزام بتوطين التكنولوجيا والتوظيف المحلي؟
وكيف يمكن وضع آلية رقابة مشتركة لضمان النزاهة والعدالة في المشاريع؟
🔹 في الختامً إن مستقبل العلاقات الأوروبية الأفريقية لا يُكتب فقط في مراكز البحوث أو غرف المؤتمرات، بل في القرى التي تنتظر الكهرباء، في المدارس التي تحتاج الإنترنت، في الموانئ التي تريد الاتصال بالعالم، وفي العقول الشابة التي تطمح إلى فرص حقيقية.
ولذلك، فإن بناء شراكة حقيقية بين القارتين لا يكون بتبادل الصور والبيانات، بل بتبادل المصالح، والاعتراف المتبادل، والإيمان العميق بأن أفريقيا ليست امتدادًا لأوروبا، بل شريكًا كاملاً لها في كتابة مستقبل العالم.







Commenti