الأردن… شهامة الإنسان وأمان الدولة وعمق الحضارة
- 2 ore fa
- Tempo di lettura: 2 min

كتب عصام الحلبي
يقدّم الأردن صورة متكاملة لبلدٍ تتجاور فيه القيم الإنسانية الأصيلة مع مؤسسات دولة حديثة، في معادلة نادرة تجمع بين الشهامة وحسن الضيافة من جهة، والأمن والاستقرار من جهة أخرى. فالشعب الأردني المعروف بكرمه ونخوته، لا يتعامل مع ضيفه بوصفه عابرًا، بل ضمن منظومة قيم ترى في الضيف قيمة إنسانية لا صفة عابرة، ويُستقبل باحترام وودّ، وتُفتح له البيوت قبل الطرقات. هذه الروح المتجذّرة ليست نتاج ظرفٍ عابر، بل امتداد لتقاليد عربية راسخة صاغت هوية المجتمع الأردني عبر الزمن.وفي موازاة هذه القيم، يتمتّع الأردن بدرجة عالية من الأمن والأمان، بفضل منظومة أمنية حضارية متقدمة تقوم على الاحتراف والمهنية والانضباط، وتحكمها معايير القانون واحترام الإنسان. هذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة جعلت من الأمن ركيزة للحياة اليومية، وعنصر طمأنينة للمواطن والزائر، ما أسهم في ترسيخ صورة الأردن كبلدٍ آمن ومستقر في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

ولا يمكن فصل هذا الحاضر المستقر عن تاريخٍ عريقٍ يمتد عميقًا في جذور الحضارة الإنسانية. فالأردن كان عبر العصور معبرًا ومقرًا لحضارات متعاقبة، من العمونيين والمؤابيين، إلى الأنباط، فالرومان والبيزنطيين، وصولًا إلى الحضارة العربية الإسلامية. هذا التراكم الحضاري ترك بصماته الواضحة في الجغرافيا والذاكرة، وجعل من الأرض الأردنية مساحةً مفتوحة لقراءة التاريخ عبر الحجر والمعمار والآثار.وتنتشر في مختلف مناطق المملكة مواقع أثرية وتاريخية تعبّر عن هذا الغنى، من مدن رومانية متكاملة، إلى قلاعٍ شاهقة، وفسيفساء تحكي قصص الإنسان والمكان، وصحارى حملت على رمالها آثار القوافل والتجارة، إضافة إلى مواقع طبيعية فريدة اكتسبت قيمتها من تداخل الجغرافيا بالتاريخ. هذا التنوع يمنح الأردن خصوصية نادرة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد واحد.وتتصدّر مدينة البتراء هذا المشهد الحضاري، بوصفها واحدة من أعظم الإنجازات الإنسانية في التاريخ القديم. فقد شيّدها الأنباط عاصمةً لهم، ونحتوها في الصخر بمهارة لافتة قبل أكثر من ألفي عام، فكانت شاهدًا على عبقرية معمارية وتنظيمية متقدمة. الدخول إلى البتراء عبر ممر السيق الضيق يشكّل رحلة بصرية وتاريخية، تنتهي بمشهد الخزنة المهيب، الذي بات رمزًا عالميًا للأردن. غير أن البتراء لا تختزل في الخزنة وحدها، بل تمتد عظمتها إلى مسارحها وشوارعها وأديرتها، وإلى نظامها المتقن في إدارة المياه، الذي يعكس فهمًا عميقًا للبيئة والموارد. ولهذا استحقت أن تكون على قائمة التراث العالمي، وأن تُصنّف ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.

إن زيارة الأردن ليست مجرد رحلة سياحية، بل تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، تتيح للزائر أن يلمس دفء الناس، ويشعر بالأمان، ويتجوّل في صفحات التاريخ المفتوحة. إنها دعوة لاكتشاف بلدٍ يحترم إرثه الحضاري، ويصون أمنه، ويقدّم نفسه للعالم بوجهٍ إنساني مشرق، حيث الشهامة عنوان، والأمان واقع، والحضارة حاضرة في كل تفصيل.







Commenti