العلاقات الأوروبية – الجزائرية: بين التاريخ والمصالح والاستراتيجيات المتبادلة
- 8 lug 2025
- Tempo di lettura: 2 min

✍️ بقلم: وائل المولى
كاتب وصحفي
في قلب البحر الأبيض المتوسط، تتشابك خيوط التاريخ والجغرافيا والسياسة بين الجزائر وأوروبا، مشكلةً مشهدًا معقدًا للعلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، يختلط فيه الماضي الاستعماري بالحاضر الاقتصادي، وتتقاطع فيه التحديات الأمنية بالرهانات الطاقوية.
🔹 أولًا: الإرث التاريخي والذاكرة الاستعمارية
العلاقات الجزائرية – الأوروبية، لا سيما مع فرنسا، ما تزال محكومة إلى حدّ كبير بإرث الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عامًا، والذي خلّف جراحًا عميقة في الوجدان الوطني الجزائري. وعلى الرغم من اعترافات متأخرة من بعض الساسة الفرنسيين، فإن الذاكرة الجماعية الجزائرية لم تتجاوز بعد آلام الاستعمار والمجازر، مما يجعل من ملف “الذاكرة” حجر عثرة في تطوير علاقة طبيعية وسلسة بين البلدين.أما مع بقية الدول الأوروبية، فالعلاقات لم تتأثر بنفس الحدة التاريخية، لكنها تظل مرتبطة بشكل غير مباشر بموقف الجزائر من السياسات الأوروبية العامة تجاه المنطقة المغاربية والقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ذات الطابع السيادي والإنساني.
🔹 ثانيًا: الشراكة الاقتصادية والطاقة
تُعد الجزائر شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي، خاصة في ملف الطاقة. فهي واحدة من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي إلى أوروبا، خصوصًا في ظل الأزمة الأوكرانية التي قلّصت اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. وقد أدى ذلك إلى تقوية الموقع التفاوضي للجزائر، ودفع عدّة دول أوروبية، كإيطاليا وإسبانيا، إلى تعزيز علاقاتها مع الجزائر من بوابة الطاقة.كما تمتد الشراكة الاقتصادية لتشمل قطاعات أخرى مثل الزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وإن كانت بوتيرة أبطأ وبحذر سياسي من الطرفين. لكن لا يزال الميزان التجاري يميل لصالح أوروبا، ما يجعل من تحقيق شراكة عادلة أحد المطالب الجزائرية المتكررة.
🔹 ثالثًا: الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب
تشكّل الهجرة غير النظامية مصدر قلق مشترك بين الجزائر والدول الأوروبية، إذ تعتبر الجزائر بلد عبور واستقرار لمهاجرين أفارقة نحو الضفة الشمالية للمتوسط. وتتعاون الجزائر مع دول مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا لضبط هذه الظاهرة، وإنْ كانت الجزائر ترفض أي دور “شرطي” يُفرض عليها في هذا الملف.في المقابل، تتقاطع المصالح الأمنية بين الطرفين في ملف مكافحة الإرهاب والتطرف العابر للحدود، خصوصًا في منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط الجزائر بشكل دبلوماسي وأمني كثيف، وتحظى بدعم أوروبي في هذا السياق.
🔹 رابعًا: التوازن الدبلوماسي وتعدد الشركاء
تحرص الجزائر على تبنّي سياسة خارجية متعددة الأقطاب، فلا تختزل علاقاتها بأوروبا فقط، بل تنفتح أيضًا على الصين وروسيا وتركيا والدول الإفريقية والعربية. وهذا التوازن يُعد جزءًا من عقيدتها الدبلوماسية القائمة على “عدم الانحياز” والتعاون المتكافئ.
ومع تصاعد التوترات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، وتراجع الهيمنة الفرنسية على المغرب العربي، تحاول الجزائر ترسيخ موقعها كقوة إقليمية مستقلة، تُنسّق مع أوروبا من موقع الندّية لا التبعية.
🔹 خلاصة: شراكة ممكنة ولكن بشروط
العلاقات الأوروبية – الجزائرية مرشحة لمزيد من التقدم، لكنها لا تزال محفوفة بتعقيدات التاريخ، وتفاوت المصالح، وتناقض الرؤى. فالأوروبيون يسعون إلى أمن الطاقة والحد من الهجرة، بينما تطمح الجزائر إلى استثمارات عادلة، واحترام سيادتها، واعتراف بماضيها.إن الشراكة الحقيقية لا تبنى على المصالح فقط، بل على احترام متبادل، وتوازن في المصالح، وتفاهم ثقافي وسياسي أعمق. فهل تنجح الضفتان في بناء هذه الجسور.







Commenti