top of page

القديس أوغسطينوس… من تاغاست إلى روما

  • 1 nov 2025
  • Tempo di lettura: 3 min

رحلة العقل والإيمان عبر ضفّتي المتوسط

طلال خريس

رئيس جمعية الصداقة الإيطالية – العربية

الإنسان الذي وحّد الإيمان والعقل

في كل مرحلة من التاريخ، يولد من يعيد إلى الإنسان صلته بجوهره، من يذكّره بأن الإيمان ليس طقسًا بل بحث دائم عن الحقيقة في أعماق النفس.ومن بين هؤلاء، يبرز اسم القديس أوغسطينوس، ابن الجزائر ومفكر الإنسانية، الذي جمع في شخصه بين شمال إفريقيا وأوروبا، وبين الروح والعقل، وبين التساؤل والإيمان.

من تاغاست إلى هيبّون: مسيرة التحوّل

وُلد أوغسطينوس عام 354 ميلادي في مدينة تاغاست الجزائرية (سوق أهراس اليوم)، في زمنٍ كانت فيه الإمبراطورية الرومانية تتأرجح بين الوثنية والإيمان بالإله الواحد.نشأ في بيتٍ يجمع بين أمٍّ مسيحية مؤمنة، القديسة مونيكا، وأبٍ وثنيٍّ، فكان منذ شبابه يعيش صراعًا بين العقل والإيمان، بين اللذة والضمير.درس البلاغة والفلسفة في قرطاج، ثم سافر إلى روما وميلانو حيث تأثر بالقديس أمبروسيوس، فكانت تلك لحظة التحوّل الكبرى في حياته.وفي عام 387م تعمّد رسميًا، ليعود بعدها إلى إفريقيا ويُصبح أسقفًا لمدينة هيبّون (عنابة)، فيبدأ مرحلة جديدة من رسالته الفكرية والروحية التي خلدت اسمه في ذاكرة العالم.

الفيلسوف الذي كتب رحلة الإنسان إلى الله

لم يكن أوغسطينوس رجل دينٍ تقليديًا، بل فيلسوفًا تجاوز حدود عصره.في كتابه «الاعترافات»، قدّم أول سيرة ذاتية روحية في التاريخ، صوّر فيها رحلة الإنسان في بحثه عن الخلاص، بين الرغبة والهداية، والضياع والاكتشاف.أما في مؤلفه «مدينة الله»، فقد وضع أسس فلسفة سياسية وأخلاقية تربط بين السلطة والإيمان، والدولة الأرضية والمملكة السماوية، لتصبح مرجعًا فكريًا عبر القرون.آمن أوغسطينوس بأن الحقيقة لا تُفرض بل تُكتشف، وأن الله لا يُعرف بالخوف بل بالمحبّة، وأن الإنسان مدعوّ للبحث عن النور في داخله، لأن – كما كتب –

“الله أقرب إلى الإنسان من نفسه.”

أوغسطينوس… رمز تلاقي الشرق والغرب

ما يجعل أوغسطينوس استثنائيًا ليس فقط فكره اللاهوتي، بل جذوره المتوسطية التي جعلت منه جسرًا حضاريًا بين إفريقيا وأوروبا.

كان جزائريًا في عمقه، وإيطاليًا في فكره، وعالميًا في رسالته.ومن هيبّون إلى روما، حمل هوية المتوسط الكبرى التي تجمع بين الثقافات والأديان، وتدعو إلى الحوار بدل الصدام.وفي عالم اليوم، حيث تتزايد الانقسامات، تعود فلسفة أوغسطينوس لتذكّرنا بأن الاختلاف مصدر غنى لا صراع، وأن الحضارات تتكامل حين تضع الإنسان وكرامته في جوهر رسالتها.

أوغسطينوس اليوم… ضمير الإنسانية

استعادة إرث أوغسطينوس في روما بالتعاون بين جمعية الصداقة الإيطالية – العربية والسفارة الجزائرية، ليست احتفاءً بماضٍ بعيد، بل إحياء لرسالةٍ حية ما زالت تخاطب ضمير العالم.فالرجل الذي عاش قبل أكثر من ستة عشر قرنًا يذكّرنا اليوم بضرورة الإصغاء إلى الذات قبل الحكم على الآخر، وبأن السلام الحقيقي يقوم على المعرفة لا الجهل، وعلى المحبة لا الكراهية.

وقد لخّص فكره بعبارة خالدة:

“إن كنتَ تريد أن تعرف الحق، فابدأ بحبّه.”تلك الجملة وحدها تختصر حاجة البشرية اليوم إلى إعادة اكتشاف الحب كقيمة وجودية، لا كمجرد عاطفة عابرة.

جسر الجزائر وإيطاليا

الحديث عن القديس أوغسطينوس هو أيضًا حديث عن العلاقة التاريخية بين الجزائر وإيطاليا، علاقة تتجاوز الجغرافيا لتعبّر عن ذاكرة روحية وثقافية مشتركة.هو الجسر الذي يوحّد بين ضفّتي المتوسط، ويذكّر بأن البحر الذي يفصل بين الشعوب يمكن أن يكون بحرًا للتواصل لا للحروب.ومن خلال هذا الإرث، تواصل جمعية الصداقة الإيطالية – العربية رسالتها في تعزيز الحوار الثقافي والإنساني، إيمانًا بأن المعرفة هي الطريق الأجمل نحو السلام.لم يكن أوغسطينوس مجرّد قديسٍ في سجل الكنيسة، بل ضميرًا حيًّا للإنسانية، رسم بفكره صورة الإنسان الباحث عن الله والحق، المؤمن بالمحبّة والعقل معًا.ومن الجزائر إلى إيطاليا، يبقى حضوره شاهدًا على أن الإنسان أعظم من انتمائه، والحقيقة أسمى من حدود الأوطان.يوم ١٣ نوفمبر ت ثاني ندوة في قصر محافظة روما حول القديس الجزائري . انتظرو التفاصيل .

Commenti


bottom of page