top of page

بلاد الشام… لماذا تشتعل دائمًا؟مقال تحليلي في الجغرافيا السياسية والتاريخ الدموي للشرق الأوسط

  • 17 lug 2025
  • Tempo di lettura: 3 min

وائل المولى

كاتب وصحفي


▪️ مقدّمة

في كل مرة تهدأ فيها ألسنة النار في بلاد الشام، لا تلبث أن تعود لتشتعل من جديد. حروب، نزاعات طائفية، تدخلات خارجية، انهيارات اقتصادية، وانتفاضات شعبية لا تكاد تتوقف.

فما الذي يجعل هذه البقعة من العالم، الممتدة بين المتوسط والفرات، كأنها قدرٌ محتوم بالصراع؟

وهل هي لعنة التاريخ، أم هندسة سياسية مقصودة، أم فشل داخلي في بناء الدولة والمجتمع؟


▪️ أولًا: موقع استراتيجي في قلب النار

تقع بلاد الشام عند تقاطع ثلاث قارات، وتشرف على خطوط التجارة القديمة والحديثة، وتُعد بوابة آسيا إلى المتوسط.

هذا الموقع جعل منها ساحة دائمة لصراع القوى العظمى، من الإمبراطوريات القديمة إلى الدول الحديثة، مرورًا بالاستعمار الفرنسي والبريطاني، ووصولًا إلى النفوذ الإيراني والتركي والإسرائيلي والغربي المعاصر.لا أحد يترك بلاد الشام دون أن يترك فيها ندبة أو قاعدة أو نفوذًا، لأنها ببساطة مفتاح السيطرة على الشرق الأوسط كله.


▪️ ثانيًا: تقسيم سايكس بيكو… ولادة كيانات هشة

بعد الحرب العالمية الأولى، وفي أعقاب سقوط السلطنة العثمانية، قررت القوى الاستعمارية تقسيم الشرق الأوسط إلى كيانات تخدم مصالحها.فكانت اتفاقية سايكس-بيكو (1916) هي القاعدة التي أنشئت على أساسها دول مثل سوريا ولبنان والعراق والأردن.وفلسطين لكن هذه الدول لم تُصمَّم بناءً على نسيجها الاجتماعي، بل كـ”وحدات وظيفية” مرسومة هندسياً ما ولّد أنظمة هشة وبُنى مجتمعية قابلة للاشتعال عند أول أزمة.


▪️ ثالثًا: تنوّع ديني ومذهبي بلا عدالة

تضم بلاد الشام خليطًا مذهبيًا وعرقيًا نادرًا: سنّة، شيعة، علويون، دروز، مسيحيون، إسماعيليون، أكراد، آشوريون، تركمان…لكن في ظل غياب نظام سياسي عادل، وغياب دولة المواطنة، تحول هذا التنوّع إلى وقود صراعات داخلية.

فكل فئة تشعر بالتهديد أو بالتهميش، ما يجعلها إما تسعى للسيطرة أو للانفصال أو للتحالف مع الخارج.


▪️ رابعًا: الدولة المغتصَبة أو الغائبة

باستثناء فترات قصيرة، لم تعرف شعوب بلاد الشام نموذج الدولة الديمقراطية المؤسسية.

إما دُوَل بوليسية أو دُوَل طائفية متفككة أو دُوَل تحت وصاية خارجية.هذه الأنظمة كرّست الفساد والتسلّط والطائفية والانقسام الاجتماعي، ما جعل كل انفجار شعبي يتحول إلى حرب أهلية أو صراع على هوية الدولة.


▪️ خامسًا: فلسطين… الجرح المركزي

القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي. إنها المحور الذي دار حوله تاريخ المنطقة منذ 1948.

النكبة، النكسة، المقاومة، الاحتلال، الحروب، حصار غزة، تهويد القدس…كل ذلك جعل فلسطين نقطة انفجار دائمة، تستخدمها الأنظمة للسيطرة على الداخل، وتستغلها القوى الإقليمية لتوسيع نفوذها.بلاد الشام لا يمكن أن تهدأ ما دام جرح فلسطين مفتوحًا، وما دامت إسرائيل تمارس سياسة الأمر الواقع دون الإكتراث لأحد ودون إيجاد حل عادل .


▪️ سادسًا: تدخلات الخارج وصراعات الوكلاء

لم تعد بلاد الشام حرة في قراراتها.

🔸 إيران تمدّ نفوذها من بغداد إلى بيروت .

🔸 تركيا تحاول استعادة حضورها العثماني بمزيج من القوة الناعمة والاحتلال المباشر.

🔸 إسرائيل تدير أمنها عبر حدود متفجّرة.

🔸الولايات المتحدة وروسيا تتصارعان على قواعد ومناطق نفوذ.

🔸دول الخليج تموّل وتوجّه وتحاصر حسب مصالحها السياسية.

هكذا تحولت بلاد الشام إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بينما شعوبها تدفع الثمن.


▪️ سابعًا: انتفاضات بلا نتائج

من الحراك في سورية ، إلى حراك لبنان، إلى احتجاجات العراق، خرجت الشعوب تطالب بالحرية والكرامة والعدالة.

تم الإلتفاف على هذه الحركات وتحويل مسارها من مشروع نهضة إلى مشاريع تخدم مصالح الدول الخارجية بدلاً من شعوب المنطقة . والنتيجة جيل جديد بلاهوية واضحة ومدن مدمرة، وخرائط أعيد رسمها بالدم، وأحلام ضائعة تنتظر من يلتقطها.


▪️ خاتمة: بين الجحيم… والأمل يولد المستقبل

بلاد الشام ليست فقط منطقة جغرافية. إنها مختبر التاريخ، وساحة المصالح، وملعب الآلهة القديمة والجيوش الحديثة.

لكنها أيضًا مهد الحضارات، ومفترق الكتب السماوية، وأرض الأنبياء.رغم كل الحروب، لا تزال تنبض بالحياة.

ورغم الخراب، لم ينطفئ الأمل كليًا.ربما من بين الرماد، يخرج جيلٌ جديد، يُعيد كتابة المعادلة، ويمنح الشام ما تستحقه من سلام وعدالة وكرامة .

Commenti


bottom of page