top of page

ترنيمة بابلية تُبعث من الرماد: تعاون بين بغداد وميونيخ يكشف نافذة نادرة على حضارة ما بين النهرين

  • 8 lug 2025
  • Tempo di lettura: 2 min

ترنيمة بابلية تُبعث من الرماد: تعاون بين بغداد وميونيخ يكشف نافذة نادرة على حضارة ما بين النهرين

تحقيق: إليزابيتا باميلا بيترولاتي

في إنجاز علمي غير مسبوق، نجح فريق بحثي مشترك من جامعة بغداد وجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ بالكشف عن ترنيمة بابلية ضائعة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وذلك بفضل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص المسمارية القديمة.من الطين إلى الخوارزمية: ميلاد جديد لنص منسي

منذ عام 2018، شرع الفريقان في رقمنة آلاف الألواح الطينية ضمن مشروع “المكتبة البابلية الإلكترونية”، وهو جهد دولي يسعى إلى حماية التراث المسماري من الضياع. لكن الاكتشاف النوعي لم يكن ليحدث لولا إدخال الذكاء الاصطناعي في عملية تحليل النصوص، ما سمح بالخروج من النمط التقليدي في قراءة وفهرسة النقوش.

الخوارزمية التي يقودها البروفيسور إنريكي خيمينيز، بالتعاون مع الباحث العراقي أنمار فاضل، نجحت في مطابقة أكثر من ثلاثين نسخة مجزأة من الترنيمة، تعود تواريخها إلى ما بين القرنين السابع والأول قبل الميلاد. وبفضل هذا التلاقي الحسابي، أعيد بناء نص شعري من نحو 250 بيتًا، ظل غائبًا عن أعين الباحثين طيلة العقود الماضية.

أناشيد لمدينة مقدّسة: بابل كما رآها أبناؤها الترنيمة، التي يُرجّح أنها كُتبت حوالي عام 1000 قبل الميلاد على يد كاهن بابلي، تُعد وثيقة أدبية وروحية فريدة في وصفها لمدينة بابل، ومجتمعها، وقيمها. وهي تنقسم إلى ستة أقسام رئيسية، تتوزع بين مديح للإله مردوخ، وخطاب ديني بين الآلهة، ووصف معماري لمعبد إيساجيل، واحتفاء بجمال المدينة الطبيعي، وتوصيف أخلاقي لمواطنيها، وختامًا – في مقطع مجزأ – دعوة لاحترام الأجانب.

يقول خيمينيز في تعليق لافت:

“إنها شهادة نادرة على وجهة نظر حضارة بأكملها تجاه العالم الطبيعي ودور المرأة والمجتمع. لقد كتبها بابلي أراد أن يُشيد بمدينته كما رآها: حديقة زاخرة، يسكنها أناس كرماء وعادلون.”

ويتابع:

“إن الأدب الرافديني نادرًا ما يتناول الطبيعة، وهذا النص هو استثناء ساحر. يصف كيف يُضفي نهر الفرات الحياة على الحقول، وكيف تتفتح الأزهار في الربيع، في مدينة بقوانين مثالية وأناس أسخياء مع الأسرى والأجانب.”

ترنيمة أجيال: من شفاه الأطفال إلى أيدي الكتبة بحسب ما كشفت الترنيمة، فإنها لم تكن مجرد نص ديني، بل كانت تُتلى في المدارس والمعابد، ويحفظها الأطفال البابليون لأكثر من خمسة قرون. وقد نُسخت بأمانة من جيل إلى جيل، على ألواح طينية لا تزال تحتفظ بندوب التاريخ. ويؤكد الباحثون أن هذه الترنيمة تسهم في إعادة رسم صورة أكثر دفئًا وتعقيدًا لحضارة بابل، خارج نطاق الحروب والملوك والتشريعات التي اشتهرت بها. فهي تُظهر مجتمعًا عرف العدل، وقدّر الجمال، وآمن بكرامة الإنسان، بغض النظر عن أصله.

تكنولوجيا تستنطق الطين: ذكاء اصطناعي في خدمة الذاكرة الإنسانية

اللافت أن ما كان سيستغرق عقودًا من العمل اليدوي والافتراضات التأويلية، تم إنجازه في أقل من خمس سنوات بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي. وقد نُشرت نتائج البحث في مجلة “العراق” المتخصصة بعلم الآشوريات، لتفتح بابًا جديدًا أمام الباحثين في استعادة تراث إنساني مفقود.في ظل التهديدات التي تواجه التراث العراقي – من التدمير الممنهج إلى الإهمال – يظهر هذا المشروع كمثال حيّ على أن التكنولوجيا يمكن أن تكون حليفة للذاكرة، لا بديلًا عنها. فبين ميونيخ وبغداد، تم بناء جسر ثقافي جديد، أعاد إلى العالم صوتًا منسيًا من بابل، لا يزال يُغنّي للعدل والجمال والكرامة الإنسانية.


Commenti


bottom of page