top of page

جسر الحضارة بين عُمان وإيطاليا: تاريخ من التواصل الثقافي والامتداد الحضاري

  • 16 lug 2025
  • Tempo di lettura: 2 min

✍️ بقلم: وائل المولى

كاتب وصحفي

مقدّمة: عندما تتلاقى ضفتا المتوسط والخليج

في عالمٍ تحكمه التوازنات الجيوسياسية، غالبًا ما تُقاس العلاقات بين الدول من خلال مؤشرات الاقتصاد والسياسة. إلا أن العلاقة بين سلطنة عُمان والجمهورية الإيطالية تروي قصة مختلفة، تتجاوز المصالح العابرة لتلامس جذورًا تاريخية وثقافية ممتدة في عمق الزمن.هي علاقة لم تولد في كواليس المؤتمرات، بل في رحلات البحارة، وأحاديث التجار، وتقاطعات الحضارات التي ربطت بين مسقط والبندقية، وبين صور وصلالة وروما.

أولًا: جذور تاريخية عميقة – من التجارة إلى التفاعل الثقافي

يعود التواصل بين العُمانيين والإيطاليين إلى قرون مضت، حين كانت الموانئ العُمانية جزءًا من الشبكة التجارية العالمية الممتدة من المحيط الهندي حتى البحر الأبيض المتوسط.وقد عُرفت سلطنة عُمان بدورها الريادي في الملاحة البحرية، فيما كانت إيطاليا – وتحديدًا المدن الساحلية كالبندقية وجنوة – مراكز رئيسية في التجارة الأوروبية.وبينما كانت السفن العُمانية تجوب سواحل أفريقيا والهند، كانت السفن الإيطالية تتنقل بين المتوسط والمشرق، ما جعل التقاءهما في المرافئ المشتركة أمرًا طبيعيًا، بل وحتميًا.

وقد ساهم هذا اللقاء في تبادل السلع، لكن الأهم من ذلك، في تبادل الأفكار والقصص والرؤى.

ثانيًا: البُعد الحضاري – عندما تتكامل العراقة الشرقية مع الإرث الغربي

لا يمكن فهم العلاقة العُمانية – الإيطالية دون الإشارة إلى التشابه الحضاري العميق بين الجانبين.فعُمان تمثل أحد أقدم المراكز الحضارية في الجزيرة العربية، بتراث بحري وتجاري وثقافي ضارب في القدم، بينما تجسّد إيطاليا إرث الإمبراطورية الرومانية، وعصر النهضة، والفكر الأوروبي الكلاسيكي.وقد أتاحت هذه الخلفيات الحضارية الثرية أرضية مشتركة للحوار الثقافي والإنساني. فالفن، والأدب، والعمارة، والتسامح الديني، كلها مفردات مشتركة في المعجم العُماني – الإيطالي.كما أن اهتمام السلطنة بالحفاظ على التراث الثقافي، وتبنّيها سياسات الانفتاح المتزن، يلتقي مع النهج الإيطالي في صون الهوية الثقافية والتنوع.

ثالثًا: الدبلوماسية الثقافية – من الشراكة إلى التكامل

شهدت العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا في العلاقات العُمانية – الإيطالية، لا سيما على مستوى الدبلوماسية الثقافية.فقد استثمر البلدان في بناء جسور من التفاهم الإنساني، من خلال التعاون في مجالات الآثار، والمتاحف، والموسيقى، والتعليم، والترجمة.وقد شارك باحثون إيطاليون في التنقيب عن الآثار العُمانية، بينما استضافت المؤسسات الثقافية في إيطاليا معارض وفعاليات تعرّف بالتراث العُماني.كما أقيمت ندوات أكاديمية مشتركة حول التاريخ البحري والتواصل الحضاري، تُوّجت ببرامج تعليمية وتبادلية بين الجامعات والمؤسسات الثقافية.

رابعًا: عُمان وإيطاليا… لغة الحوار والتعدد

في وقتٍ يعاني فيه العالم من تصاعد خطاب الصدام الحضاري، تبدو العلاقة بين عُمان وإيطاليا نموذجًا لعقلانية الدول التي تؤمن بالحوار والتعدد والتلاقي لا الصدام.فكما ترفع إيطاليا راية الانفتاح الثقافي في قلب أوروبا، تمثّل عُمان صوت الاعتدال والتسامح في قلب الشرق.وقد ترجم البلدان هذه الفلسفة من خلال مشاركتهما الفعالة في مبادرات الأمم المتحدة لحوار الحضارات، ودعمهما لبرامج التفاهم بين الأديان والثقافات.

خاتمة: ليس مجرّد تعاون… بل جسر إنساني ممتد

تتجاوز العلاقة بين سلطنة عُمان والجمهورية الإيطالية إطار المصالح الدبلوماسية والاقتصادية، لتشكّل نموذجًا نادرًا في السياسة الدولية المعاصرة، حيث تُبنى العلاقات على إرث حضاري مشترك، ورؤية ثقافية وإنسانية تتطلع إلى المستقبل.في هذا العالم الممزق بالتجاذبات، يثبت البلدان أن الحضارة، حين تكون الجسر، يمكنها أن تسبق السياسة، وأن تفتح للإنسانية أفقًا أرحب من كل الحسابات الضيقة

Commenti


bottom of page