مليكة قايد... سيرة خالدة في ذاكرة الثورة الجزائرية
- 12 lug 2025
- Tempo di lettura: 3 min

تحقيق: عصام الحلبي
في ذاكرة الجزائر، حيث تختلط البطولات بالذكريات ، تسكن أسماء كتبت لا بالحبر بل بالتضحية والفداء . من بين تلك الأسماء، تتلألأ سيرة الشهيدة مليكة قايد، التي جمعت بين رقة الممرضة وشجاعة الثائرة المجاهدة، ومضت في درب الثورة دون أن تبحث عن مجد شخصي .
من بلوزداد تبدأ الحكاية
وُلدت مليكة قايد يوم 24 أغسطس 1933 في حي بلوزداد (بلكور سابقاً) بالعاصمة الجزائرية. نشأت وسط بيئة وطنية مشبعة بروح النضال ضد الاستعمار الفرنسي، زرعت في قلبها قيم الكرامة والحرية. منذ سنواتها الأولى، كانت مشغولة بقضية وطنها، فاختارت طريق الثورة و المقاومة مبكرًا.بعد أن أتمّت دراستها الثانوية، التحقت بمدرسة التمريض بمدينة سطيف بين عامي 1948 و1951، ثم عملت في عدد من المستوصفات في مناطق مختلفة، من بينها خراطة وغنزات وبوقاعة، حيث لامست عن قرب معاناة الجزائريين في ظل الاحتلال والاستعمار الفرنسي.
حين التمريض يتحول إلى جهاد
في 13 جوان 1955، استجابت مليكة لنداء الثورة الذي حمله إليها العقيد عميروش، قائد الولاية الثالثة التاريخية، فانضمت إلى صفوف جبهة التحرير الوطني. لم تحمل بندقية، بل حملت حقيبة دواء، وراحت تُنقذ الجرحى وتُعالج المجاهدين في الميدان، وسط ظروف قاسية ومخاطر دائمة.
(راجع: زهية قدادرة، "المرأة الجزائرية والثورة التحريرية")
حضرت مؤتمر الصومام التاريخي في 20 أوت 1956، وكانت ضمن القلة النسوية الحاضرة، حيث شكّلت جزءًا من الطاقم الطبي الذي رافق الحدث. هناك، بدأت تتضح أبعاد دورها الحقيقي... ممرضة، ومجندة، وناشطة سياسية في آنٍ معًا.
(انظر: ياسف سعدي، "معركة الجزائر")
استشهادها في ميدان الشرف
لم تستشهد مليكة في الزنازين ولا تحت سياط التعذيب، بل رحلت واقفة، كما أحبّت أن تعيش. ففي جوان 1958، وخلال تمركزها في أحد كهوف منطقة مشدالة بولاية البويرة، تعرّضت ومجموعة من المجاهدين لهجوم فرنسي شرس بقيادة السفاح مارسيل بيجار.قاومت مليكة حتى اللحظة الأخيرة، وهي تؤدي واجبها في إسعاف الجرحى والدفاع عن الموقع، إلى أن ارتقت شهيدة في ميدان المعركة، وارتفعت روحها لتلتحق بكوكبة الشهداء الذين خطّوا فجر الجزائر الجديد.
حضور دائم رغم الغياب
رغم رحيلها المبكر، لم تُنسَ مليكة قايد. فقد تم تخليد اسمها في العديد من المؤسسات التعليمية والصحية، وأُطلقت تسميتها على شوارع ومراكز طبية، كما شيّدت السلطات الجزائرية نصبًا تذكاريًا لها في ولاية البويرة، وجرى تكريمها في احتفالات وطنية كثيرة، آخرها في ديسمبر 2023.
(انظر حوار جميلة بوحيرد في "الذاكرة الوطنية")
سيرتها اليوم تُدرّس، وتُروى كشعلة تضيء للجيل الجديد طريق النضال والمقاومة.
منارات نسوية في درب التحرير

لم تكن مليكة وحدها. فقد شاركت آلاف الجزائريات في معركة الاستقلال، ومن بينهن:
جميلة بوباشا، التي واجهت التعذيب الفرنسي بشجاعة نادرة.
زهرة بن سليمان، كانت تدير الشبكات السرية في وهران.
حميدة بن داود وفاطمة أوسعيد ،نفّذن مهمات سرية في قلب المدن.
مريم بوعتورة، التي دمجت بين الطب والعمل الثوري في الأوراس.
هؤلاء النساء لم يحملن فقط أدوية أو رسائل، بل حملن في قلوبهن وطنًا بكامله، وناضلن بصمت، حين كان الصوت مكلفًا، والحرية تهمة.
الذاكرة لا.. ولن تموت
سيرة مليكة قايد هي قصة الجزائر كلها، امرأة آمنت، فثارت، ثم استُشهدت. لم تكن تبحث عن الأضواء، لكنها أصبحت منارة. اسمها محفور في ذاكرة شعب لا ينسى، وضمير وطن دُفع ثمنه غاليًا.في بلاد أنجبت المليون ونصف المليون شهيد، تبقى سيرة مليكة قايد نجمة في سماء الوفاء، ومثالًا على أن الثورة ليست فقط بندقية، بل أيضًا قلبًا مؤمنًا، وعقلًا حرًا، ويدًا تخيط جراح الوطن.
المصادر التي استند إليها هذا التحقيق:
زهية قدادرة، المرأة الجزائرية والثورة التحريرية، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1984.
ياسف سعدي، معركة الجزائر، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2002.
جميلة بوحيرد، حوار منشور في مجلة الذاكرة الوطنية، العدد 45، الصادر سنة 2016.
ومصادر متنوعة اخرى







Commenti