عبد الباسط عبد الصمد… إمامُ الأصوات الذي صعد بالقرآن إلى ذرى الجلال
- 45 minuti fa
- Tempo di lettura: 2 min

مروه الخيال
لا يمرُّ اسم عبد الباسط عبد الصمد على السمع إلا ويهتزُّ فيه وترٌ خاشع، وتتفتح في القلب نوافذ نور. لم يكن مجرد قارئ للقرآن، بل كان ظاهرة صوتية لم تتكرر، وملحمة إيمانية صنعها رجل امتلك موهبةً تتجاوز حدود الطبيعة.هو الصوت الذي إذا تلا كأنما انشقت السماء لتُصغي، وارتجفت الأرواح هيبةً وجلالًا.
البدايات… حين يولد الصوت ومعه قدره
ولد الشيخ عام 1927 في أرمنت بالأقصر، في بيئة ينساب فيها القرآن كما ينساب النيل. حفظ كتاب الله في طفولته المبكرة، لكن ما حمله لم يكن حفظًا عاديًا… بل حمل سرًّا في صوته جعله منذ صغره يثير الدهشة.كان صوته يتشكل كما لو كان من معدنٍ سماوي، قادرٍ على أن يجمع بين الشجن والقوة، بين البكاء الجليل والصلابة الحازمة.ومنذ أن وقف صغيرًا يتلو في مجالس القرّاء بالصعيد، أدرك الجميع أنهم أمام ميلاد قائد جديد لمدرسة التلاوة.
القاهرة… البوابة التي فجّرت الأسطورة
حين حلّ على القاهرة، وتحديدًا ليلة قرأ في مسجد السيدة زينب، وقف في محرابٍ عظيم لكنه لم يرتجف؛ لأن الصوت كان – كما يقول معاصروه – “متوضئًا من الداخل”.لم تكد تمر الدقائق الأولى حتى تحوّل المسجد إلى بحر من الدهشة، ومن اليوم ذاته صار عبد الباسط “أمير القرّاء”، الصوت الذي لا يشبه أحدًا.اعتمدته الإذاعة المصرية، فوجد الناس أنفسهم أمام تلاوة تحمل من القوة ما يجعل الآيات تُسمع وكأنها تُتلى لأول مرة.
سفيرًا للقرآن… وصوتًا يفتح أبواب الهداية
لم يكن عبد الباسط قارئًا محليًا، بل كان رسولًا صوتيًا للعالم الإسلامي.زار أكثر من 35 دولة، واستقبلته الشعوب كما تُستقبل الرموز الكبرى.وفي محافل عالمية وقف غير العرب مذهولين أمام هذا الصوت الذي يزلزل الداخل دون أن يفهموا كلمة واحدة… فيسلم بعضهم تأثرًا بالنغم الإلهي الذي خرج من حنجرته.لقد كان سفيرًا لا يحتاج ترجمة؛فالقرآن بلغته الأصلية على لسانه أبلغ من كل لغات العالم.

الإرث الذي لا يندثر
خلّف الشيخ إرثًا صوتيًا هائلًا من المصاحف المرتلة والمجوّدة والتلاوات النادرة.لكن إرثه الأهم لم يكن في عدد التسجيلات… بل في الطريقة التي شق بها طريقًا جديدًا لجماليات التلاوة، حتى أصبح مدرسة قائمة بذاتها يتتلمذ عليها آلاف القرّاء إلى يومنا هذا.كل من يحاول أن يقلد عبد الباسط يدرك سريعًا أنه لا يُقلَد؛لأن صوته لم يكن مجرد صوت، بل روحًا تتجسد في نغمة.
الرحيل… وانطفاء الشمعة التي لم تنطفئ
في 30 نوفمبر 1988، طوى القدر الصفحة الأخيرة من حياة الشيخ، لكن صوته لم يمت.لم يغب يومًا عن الإذاعات، أو المساجد، أو البيوت، أو القلوب.وكأن الرجل لم يرحل… بل ترك خلفه خلودًا مسموعًا يعيش مع كل آية تخرج من تسجيلاته.
خاتمة… رجلٌ خلق للقرآن وصُنع بالقرآن
إنّ الحديث عن عبد الباسط عبد الصمد هو حديث عن أعلى درجات الجمال الإيماني، وعن رجل جمع الله له بين الأداء والهيبة، وبين الحضور والصفاء، حتى أصبح أيقونة التلاوة في القرن العشرين وما بعده.سيظل اسمه محفورًا كالذهب الخالص،وسيبقى صوته مِفْتاح خشوعٍ يفتح القلوب في كل زمان،وهديةً من السماء إلى الأرض… لا تتكرر.







Commenti